الزوجة الخامسة : أم المؤمنين أم سلمة هند بنت ابي أمية المخزومية (الصابرة المحتسبة)

الزوجة الخامسة : أم المؤمنين أم سلمة
هند بنت أبي أمية رضي الله عنها ..



ابنة زاد الراكب ..

• ولدت أم سلمة رضي الله عنها – وأسمها هند بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن محزوم القرشية المحزومية – لأسرة عريقة ...

• فأبوها : أبو أمية – وأسمه سهيل وقيل حذيفة – يعد من سادات بني محزوم المرموقين وجواد من أجواد العرب المعدودين والمشهورين بالكرم وقد أطلق عليه (( زاد الراكب )) لأنه كان إذا سافر لا يترك أحدًا يرافقه ومعه زاد بل يكفي ويغني رفقته من الزاد والطعام والشراب طوال الرحلة .

• وأمها : عاتكة بنت عامر بن ربيعة بن مالك الكنانية من بني فراس الأمجاد .
وقد تزوجت أم سلمة رضي الله عنها من ابن عمها الرجل الصالح عبد الله بن عمر المخزومي أحد العشرة السابقين إلى الإسلام فقد أسلم مع أبي عبيدة الجراح وعثمان ابن عفان والأرقم بن أبي الأرقم رضي الله عنهم جميعًا في يوم واحد .

وأسلمت أم سلمة رضي الله عنها مع زوجها فكانت هي الأخرى من السابقات إلى الإسلام أيضًا .
إلى أرض الحبشة ..

ما إن شاع نبأ إسلام أبي سلمة وزوجه أم سلمة رضي الله عنهما حتى هاجت قريش وماجت وجعلت تصب عليهما من العذاب والأذى الشديد ما يزلزل الصخور الصم القاسية فلم يضعفا ولم يهنا ولم يترددا .


فلما رأى رسول الله  ما يصيب أصحابه من البلاء قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة ؟.. فإن بها ملكًا لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجًا مما أنتم فيه .


فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله  إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة وفرار إلى الله بدينهم فكان أول هجرة في الإسلام وكان أول من هاجر من المسلمين أحد عشر رجلًا واربع نسوة انتهوا إلى البحر ما بين ماش وراكب فاستأجروا سفينة بنصف دينار إلى الحبشة .. وكان في طليعة هؤلاء المهاجرين : أبو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت أمية رضي الله عنهما .


مؤامرة قريش ..


مضت ا م سلمة وزوجها رضي الله عنهما إلى ديار الغربة وتركت وراءها بمكة بيتها الباذخ وعزها الشامخ ونسبها العريق محتسبة هذا كله عند الله عز وجل طمعًا في مرضاته وطلبًا لجناته .
وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها منهم من خرج بأهله ومنهم من خرج بنفسه بدون أهله .
وأمن المسلمون بأرض الحبشة وحمدوا جوار النجاشي – ملك الحبشة – وعبدوا الله تعالى لا يخافون على دينه ولا على أنفسهم من احد وقد أحسن النجاشي جوارهم ووفادتهم .
فلما رأت قريش أن أصحاب رسول الله  قد أمنوا واطمأنوا بأرض الحبشة وأنهم أصابوا بها دارًا وقرارًا اجتمعوا وعقدوا بينهم مؤامرة تروى


أحداثها أم سلمة رضي الله عنها فتقول :


لما نزلنا أرض الحبشة جوارنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذي ولا نسمع شيئًا نكرهه فلما بلغ ذلك قريش ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة وكان من أعجب ما يأتيه منهم الأدم فجمعوا له أدمًا كثيرًا ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص وأمروهما بأمرهم وقالوا لهما :
ادفعًا إلى كل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشي فيهم ثم قدما إلى النجاشي هداياه ثم سلا أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم !

ففعل عمرو بن العاص وصاحبه ذلك حتى إذا دخلا على النجاشي قالا له :
أيها الملك إنه قد لجأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم فهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .


فقالت بطارقة الملك من حوله :
صدقًا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينًا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم .


فغضب النجاشي وقال : لا والله لا أسلمهم إليهما حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني .


ثم أرسل النجاشي إلى المهاجرين من أصحاب رسول الله  فدعاهم وكلمهم فيما ذكره عمرو بن العاص وصاحبه وسمع منهم آيات من كتاب الله عز وجل فبكى النجاشي حتى اخضلت لحيته وقال : إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاه واحدة ..انطلقا فلا والله لا أسلمهما إليكما .
ثم قال النجاشي للمسلمين : اذهبوا فأنتم آمنون بأرضي من سبكم غرم فما أحب أن لي جبلًا من ذهب وأني آذيت رجلًا منكم .
ثم أمر النجاشي برد الهدايا التي قد بها عمرو بن العاص وصاحبه فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به وأقام المسلمون عنده بخير دار مع خير جار .



الهجرة إلى المدينة ..


تتابعت الأخبار على المهاجرين إلى أرض الحبشة بأن المسلمين في مكة قد كثر عددهم وأن إسلام أسد الله حمزة بن عبد المطلب – عم النبي  -
والفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قد شد من أزرهم وكف شيئًا من أذى قريش عنهم .
فعزم فريق منهم على العودة إلى مكة المكرمة يحدوهم الشوق إلى بيت الله الحرام ويدعوهم الحنين إلى رسول الله  وكانت أم سلمة وزوجها رضي الله عنهما في طليعة العائدين .
لكن سرعان ما اكتشف العائدون أن ما نمى إليهم من أخبار كان مبالغًا فيه وأن اظطهاد قريش للمسلمين وتعذيبهم قد فاق كل الحدود !
فقد بالغ المشركون في تعذيب المشركين وترويعهم وأذاقوهم من بأسهم ما لا عهد لهم به من قبل .
عند ذلك أمر رسول الله  أصحابه بالخروج إلى المدينة والهجر إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال : إن الله قد جعل لكم إخوانًا ودارًا تأمنون بها .
فخرجوا إليها أرسلًا وأقام رسول الله  بمكة ينتظر أن يأذن له ربه عز وجل في الهجرة والخروج إلى المدينة .
وكان أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله  من المهاجرين من قريش من بني مخزوم :
أبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد  وكانت هجرته
إليها من قبل بيعة العقبة بسنة حين آذته قريش بعد مرجعه من الحبشة .


المأساة الكبرى ..


إن قصة خروج أم سلمة وزوجها رضي الله عنهما من مكة إلى المدينة لم تكن سهلة ميسرة وإن ما كانت شاقة مرة خلفت وراءها مأساة عنيفة الإثارة أليمة الوقع تهون دونها كل مأساة .. تروي أحداثها أم سلمة رضي الله عنها فتقول :
لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحل بعيرًا له ثم حملني
عليه وجعل معي ابني سلمة في حجري ثم خرج بي يقود بعيره فلما رآه رجال بني المغير ة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا :
هذه نفسك غلبتنا عليها أرأيت صاحبتنا هذه ؟ علام نتركك تسير فيها بالبلاد ؟!.. ونزعوا خطام البعير من يده وأخذوني منه .
فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد – رهط أبي سلمة – وأهووا إلى أبي سلمة وقالوا : والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا فتجاذبوا ابني سلمة حتى خلعوا يده وانطلق به بنو عبد الأسد وحبسني بنو المغيرة عندهم !!

وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة ففرق بيني وبين زوجي وبين ابني فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتى أمسي سنة أو قريبًا منها حتى مر بي رجل من بني عمي من بني المغيرة فرأى ما في وجهي فرق لحالي ورحمني فقال لبنــي المغــيرة : ألا تخرجون هذه المسكينة ؟!.. فرقتم بينها وبين زوجها وبين ابنها !


وما زال بهم حتى قالوا لي : الحقي بزوجك إن شئت ِ .. ورد على بنو الأسد عند ذلك ابني فرحلت بعيري ووضعت ابني في حجري ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة وما معي احد من خلق الله . . فقلت : أتبلغ بمن لقيت حتى أقدم على زوجي حتى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة – أخا بني عبد الدار ـــ فقال : إلى أين يا بنت أبي أمية ؟
قلت : أريد زوجي بالمدينة .
فقال : هل معك أحــــد ؟
فقلت : ما معي أحــد إلا الله وابني هذا .
فقال : والله ما لك من مترك .. فأخذ من خطام البعير فانطلق معي يقودني.
فو الله ما صحبت رجلًا من العرب قط أراه كان أكــرم منه إذا يلغ المنزل أناخ بي ثم يستأخر عني حتى إذا نزلت استأخر ببعيري فحط عنه ثم قيده في شجرة ثم تنحى إلى شجرة أخرى فاظطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فقدمه ورحله ثم استأخر عني وقال : اركبي .. فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ننزل .
فلم يزل يصنع ذلك حتى قدم بي إلى المدينة فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف بقباء قال : إن زوجك بهذه القرية ــ وكان أبو سلمة نازلًا بها ـــ
فادخليها على بركة الله تعالى ثم انصرف راجعًا إلى مكة فكانت أم سلمة رضي الله عنها أول امرأة هاجرت إلى المدينة كما كانت من المهاجرات الأوائل إلى الحبشة .


زوجان من أهل الجنة ..


بعد طول افتراق اجتمع زوجين وثق الحب بين قلبيهما ووحد الإسلام كيانهما وما كانت الهجرتان
إلا بوتقة صهرت هذا الكيان .
وقرت عين أم سلمة بزوجها وسعد أبو سلمة بصاحبته وأبنائه وفي يوم وبينهما هما جالسان يتحدثان إذ قالت ا مسلمة رضي الله عنها لزوجها : بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهو من أهل الجنة وهي من أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك !
فقال أبو سلمة : أتطيعنني ؟؟
فقالت أم سلمة رضي الله عنها : نعم فما أستأمرتك إلا وأنا أريد أن أطيعك!
فقال أبو سلمة  في تضحية وإيثار : إذا مت فتزوجي !
ثم قال أبو سلمة  متوجهًا إلى الله عز وجل بالدعاء : اللهم أرزق أم سلمة بعد رجلًا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها .


الزوجة الوفية ..


عكفت أم سلمة رضي الله عنها على تربية صغارها وتفرغ زوجها للجهاد في سبيل الله فشهد مع رسول الله  غزوة بدر الكبرى وعاد منها مع المسلمين وقد نصرهم الله عز وجل نصرًا عزيزًا مؤزرًا .
وعندما خرج رسول الله  في غزوة ذي العشيرة استخلف على المدينة ابا سلمة  .
ثم انطلق أبو سلمه  ليخوض مع رسول الله  غزوة أحد و أبلا فيها بلاء حسنًا إلا أن أحد المشركين رماه في عضده بسهم فمكث شهرًا يداوي جرحه الشديد .



وبينما كانت الزوجة الوفية بجوار زوجها تمرضه إذ قال لها :
لقد سمعت رسول الله  يقول : ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرًا منها إلا أبدله الله خيرًا منها فحفظت منه ذلك أم سلمه رضي الله عنها .
ثم قال أبو سلمه  : اللهم اخلفني بأهلي بخير مني .
***
وفي المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة النبوية الشريفة بلغ رسول الله  أن طليحة الأسدى وأخاه سلمه ابن خويلد قد جمعا حلفاء من بني أسد لمهاجمة الرسول  في دار هجرته .
فدعا رسول الله  أبا سلمه  وقد تماثل جرحه للشفاء وقال له : اخرج في هذه السرية فقد استعملتك عليها وعقد له رسول الله  لواء وقال له :
سر حتى تأتي أرض بني أسد فأغر عليهم .. ثم أوصاه رسول الله  بتقوى الله وبمن معه من المسلمين خيرًا .


وخرج مع أبي سلمه  في تلك السرية مائة وخمسون رجلًا من أصحاب رسول الله  فانتهى إلى أدنى قطن فلما سمع به أعداء الله ممن اجتمعوا لحرب رسول الله  تفرقوا وتركوا نعمًا كثيرًا لهم من الإبل والغنم فأخذ ذلك كله أبو سلمه  وأسر معهم ثلاثة وأقبل راجعًا إلى المدينة سالمًا غانمًا بعد أن غاب عنها تسعًا وعشرين ليلة فأعطى الغنائم كلها لرسول الله  فقسمها .
وما أن عاد أبو سلمة  إلى المدينة حتى انتفض جرحه القديم فمات لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة .


وكان رسول الله  قد أتاه يعوده فوافق دخوله عليه خروج نفسه فبسط النبي  كيفيه الشريفتين على عينيه فأغمضهما ثم قال : اللهم أفسح له في قبره وأضئ له فيه وعظم نوره واغفر ذنبه اللهم ارفع درجته في المهديين واخلفه في تركته في الغابرين واغفر لنا وله يارب العالمين .


أبناء أم سلمه ..
ولدت هند بنت أبي امية لأبي سلمه رضي الله عنهما ثلاثة من الأبناء ربوا في حجر النبي  بعد وفاة أبي سلمه  :
• سلمه : زوجة رسول الله  أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب وقال صلى الله عليه وسلم : هل جزيت سلمه ؟.. إلا أن رسول الله  انتقل إلى الرفيق الأعلى قبل أن يجمعها إليه .

• عمر : توفي رسول الله  وله تسع سنين وكان مولده في الحبشة في السنة الثانية من الهجرة وقد استعمله علي بن أبي طالب ( كرم الله وجهه) على فارس والبحرين وتوفي بالمدينة سنة ثلاثة وثمانين من الهجرة .

• زينب : ولدت في أرض الحبشة أيضًا وقدمت بها أمها وكان أسمها برة فقال رسول الله  لا تزكوا أنفسكم فالله أعلم بأهل البر منكم ..
فقالوا مانسميها ؟ فقال رسول الله  سموها زينب ... وكانت من أفقه نساء أهل زمانها .
من خير من أبي سلمه ؟!
دخل رسول الله  على أم سلمه رضي الله عنها بعزيها في زوجها ودعا له قائلًا : اللهم عز حزنها واجبر مصيبتها وأبدل بها خيرًا منها .
عند ذلك تذكرت أم سلمه رضي الله عنهما ما حدثها بها زوجها الراحل فقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون اللهم عندك احتسبت مصيبتي هذه فأجرني فيها ..
ثم توقفت ولم تطب نفسها أن تقول : اللهم اخلفني فيها بخيرًا منها ..
فقد تساءلت : ومن خير من أبي سلمة ؟!
ولم تزل أم سلمه رضي الله عنها على ذلك حتى أعطاها الله قوة وصبرًا فقالت : اللهم اخلفني فيها بخيرًا منها .
وشعر أصحاب رسول الله  بمصاب أم سلمه رضي الله عنها العظيم وحقها عليهم فما كادت تنتهي عدتها بعد وفاة أبي سلمه  حتى أرسل إليها أبو بكر الصديق  يخطبها لنفسه فأبت أن تستجيب لطلبه ثم أرسل إليها عمر بن الخطاب  يخطبها فردته كما ردت الصديق  .
إلا أن الله عز وجل عزى حزنها وجبر مصيبتها وأبدلها خيرًا منها فأرسل إليها رسول الله  يخطبها لنفسه .


الزواج من خير البرية 


أرسل رسول الله  حاطب بن أبي بلتعه  إلى أم سلمه رضي الله عنها ليخطبها إليه فقالت : مرحبًا برسول الله  وبرسوله إلا في خلالًا ثلاثًا : فأنا امرأة شديدة الغيرة وأخاف أن يرى مني رسول الله  شيئًا يكرهه فيعذبني الله به وأنا امرأة ذات صبيان يشغلونني عنها ويحتاج إلى مؤنة أحتاج معها أن أعمل لهم في قوتهم وأنا امرأة ليس لي ها هنا أحد من أوليائي شاهد فيزوجني .
فأتاها النبي  وطيب خاطرها وقال لها : أما ما ذكرت من غيرتك فإني أدعوا الله عز وجل أن يذهبها عنك وأما ما ذكرت من صبيتك فإن الله عز وجل سيكفيكهم وأما ما ذكرت من أنه ليس اوليائك أحد شاهد فليس من أوليائك أحد شاهد ولا غائب إلا سيرضى بي .
عندئذ تهللت أم سلمة رضي الله عنها ولم تستطيع إلا أن توافق ـــ بعد أن حلت جميع مشاكلها ـــ وقد جاءها رسول الله  بعز الدنيا والآخرة فقالت لإبنها سلمه : قم فزوج رسول الله  فزوجه ... فقال لها رسول الله  إما أني لا انقصك مما أعطيت أختك فلانة شيئًا : جرتين ورحيين ووسادة من آدم حشوها ليف .


أيم العرب في بيت النبوة ..


انصرف رسول الله  كي تصلح ام سلمه رضي الله عنها من شأنها فلما أقبل رسول الله  وجدها ترضع زينب بنت أبي سلمه فأنصرف !
وعاد النبي في يوم آخر  فأخذت أم سلمه زينب ووضعتها في حجرها ترضعها وكان رسول الله  حييًا كريمًا يستحيي فيسلم ويرجع فعل ذلك مرارًا حتى فطن عمار بن ياسر  لما تصنع أم سلمه رضي الله عنها ــ وكان أخاها من الرضاعة ـــ فجاء إليه وانتزع زينب من حجرها وقال لها : دعي هذه الشقراء التي قد آذيت بها رسول الله  !
فلما آتى رسول الله  جعل يقلب بصره في البيت ويقول : أين زناب ؟! ما لي لا أرى زناب ؟! ماذا فعلت زناب ؟! .
فقالت أم سلمة رضي الله عنها : جاء عمار فذهب بها .
فقال رسول الله  : إني آتيكم الليلة .
فقامت ام سلمه رضي الله عنها واخرجت حبات من شعير كانت عندها في جرة فطحنتها وأخرجت شحمًا فعصدته ثم جاء رسول الله فقدمت له الطعام فأكل منها ثم بنى بأهله وبات عندها إلى الصبح .
وقد استقبلت أم سلمه رضي الله عنها الحياة في كنف رسول الله  بالجد والعمل حتى قال عنها المطلب بن عبد الله : دخلت أيم العرب على سيد المرسلين  أول العشاء عروسا وقامت من آخر الليل تطحن .


الرسول الرحيم 


لقد أوى رسول الله  أم سلمه رضي الله عنها إليه إشقاقًا عليها ورحمة بأيتامها وإكرامًا لزوجها الشهيد وأخيه من الرضاعة – فقد أرضعت ثويبة مولاة أبي لهب رسول الله  أيامًا قبل أن تقدم حليمة وأرضعت أبا سلمة  معه لئلا تذل زوجته وأولاده من بعده .
فتزوجها النبي  بعد موافقتها وقام على تربية أيتامها ووسعهم قلبه الكبير حتى أصبحوا لا يشعرون بفقد الأب إذا عوضهم الله عز وجل أبا أرحم من أبيهم وسيدًا أبر من سيدهم وبذلك يكون الله عز وجل قد استجاب لدعاؤ أم سلمه رضي الله عنها فأخلفها خيرًا من أبي سلمه  .. إنه الرسول الرحيم  وكفى به سيدًا ورحيمًا .


هدية النجاشي ..


لما تزوج  أم سلمه رضي الله عنها قال لها : يأم سلمه إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأوقى من مسك وإني لا أراه إلا قد مات وما أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد إلي فإن ردت علي فهي لك .
فكان كما قال رسول الله  ومات النجاشي وردت إليه الهدية فأعطى كل امرأة من نسائه أوقية من مسك وأعطى أم سلمة رضي الله عنها بقية المسك والحلة .


آل البيت ...


بينما رسول الله  في بيت أم سلمه رضي الله عنها إذ نزل عليه قوله تعالى : (( إنما يريد الله ليذهب عنك الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا )).
فأرسل رسول الله  إلى فاطمة وعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم جميعًا فقال : هؤلاء بيتي ... ثم أرسل عليهم خميصة سوداء وقال : اللهم إليك لا إلى النار أنا وأهل بيتي ...
فقالت أم سلمه رضي الله عنها : يا رسول الله أنا من أهل البيت ؟!
فقال رسول الله  : بلى إن شاء الله .


لبيك اللهم لبيك ..


أحرم رسول الله  بالعمرة في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة واصطحب معه أم المؤمنين أم سلمه رضي الله عنها واستنفر من حوله من المسلمين ليخرجوا معه فخرج المؤمنون الواثقون مع رسول الله  وعددهم قريب من ألف وأربعمائة وساروا ملبين يطوون الطريق إلى البيت العتيق ويسوقون الهدى أمامهم كي يأمن الناس من حربهم ويعلموا أن رسول الله  وأصحابه إنما قصدوا البيت الحرام لأداء العمرة لله تعالى .
إلا أن الخبر جاء إلى المسلمين بأن قريشًا خرجت عن بكرة أبيهم لقتال رسول الله  وأصحابه وقد أقسمت ألا يدخل بلدهم مسلم !!
وبدأت المفاوضات بين النبي  وقريش والمسلمون ينتظرون أن تفتح لهم أبواب مكة فيطوفوا ويسعوا ثم يعودوا وافرين رابحين الأجر الجزيل من الله عز وجل .
ووضع صلح الحديبية ووافق عليه النبي  ولم يبق إلا أن يسجل في وثيقة يمضيها الفريقان .. إلا أن أصحاب رسول الله  دخل عليهم أمر عظيم حين بلغهم شروط الصلح ظن منهم أن بخس المسلمون حقهم !!


أهم الفوائد التي يستفاد منها من حياة أم سلمه ورسول الله  ..


1_ المشورة:


كتب صلح الحديبية وفيه : وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض على أنه من آتى محمدًا  من قريش بغير أذن وليه رده عليهم ومن جاء قريش ممن محمد  لم يردوه عليه وان يرجع رسول الله  وأصحابه عامة هذا فلا يدخل مكة على أن يعود إليها للعمرة في العام المقبل .
وانطلق الفاروق عمر بن الخطاب  إلى رسول الله  وقال له : علام نعطي الدنيا في ديننا ؟!
فأجابه النبي  :أنا عبد الله ورسوله ولن أخالف أمره ولن يضيعني .
وخيمت على المسلمين كآبة شديدة واستحفل الآمر إلى حد ينذر بخطر عظيم حتى أن النبي  قال لأصحابه : قوموا فانحروا ثم احلقوا ..
فما قام من المسلمين رجل حتى قالها النبي ثلاث مرات !!
فلم يقم من المسلمين أحد دخل النبي  على أم سلمه رضي الله عنها فذكر لها ما لقى من الناس !
كانت أم سلمه رضي الله عنها عاقلة لبيبة حسنة الرأي والفهم فقالت للنبي  : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ولا تكلم احد حتى تنحر بدنك وتدعوا حالقك فيحلقك .
وأصغى رسول الله  إلى مشورة أم سلمه رضي الله عنها فخرج ولم يكلم أحدًا منهم كلمة حتى نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه .
فلما رأى أصحاب رسول الله  ذلك أحسوا بخطر المعصية لأمره صلى الله عليه وسلم فقاموا مسرعين فنحروا هديهم وجعل بعضهم يحلق بعضًا حتى كاد بعضهم بعضًا لفرط الغم !!
وثاب المسلمون إلى عقولهم – ببركة رأى أم سلمه رضي الله عنها – بعد أن غلبتهم عليها عواطفهم وكادوا يهلكون وأنزل الحق تبارك وتعالى : إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا .
فأرسل رسول الله  إلى عمر بن الخطاب  فأقراه إياه فقال عمر : يا رسول الله أو فتح هو ؟!
قال صلى الله عليه وسلم : نعم .
فطابت نفس عمر رضي الله عنه ورجع وأدرك المسلمون أنه ما فتح في الإسلام فتح قبل صلح الحديبية كان أعظم منه فلقد دخل في دين الله بعد الحديبية مثل ما كان قبل ذلك أو أكثر .


2_ فصاحتها وقوة شخصيتها ...


كانت أم سلمه رضي الله عنها ذات شخصية قوية متميزة ورأى صائب جريء ودور قتادي وسط أمهات المؤمنين وكان لدعاء النبي  أن يذهب الله عز وجل عنها الغيرة أثرة على أزواج النبي  فكن يتحاكمن إليها لعلمهن ببراءتها من الغيرة .
ثم لقى الفاروق أم سلمه رضي الله عنها فقال لها : يا أم سلمه تكلمين رسول الله  وتراجعنه في شيء ؟!
فقالت أم سلمه رضي الله عنها : عجبًا لك يا ابن الخطاب !! دخلت في كل شيء حتى تبتغي أن تدخل بين الرسول وأزواجه ؟!...أي والله إنا لنكلمه فإن حمل ذلك كان أولى به وإن نهانا كان أطوع عندنا منك .
فخرج عمر بن الخطاب  من عندها نادمًا على كلامه لنساء النبي  .


3_شفاعتها لأخيها ...


صحبت أم سلمه رضي الله عنها رسول الله  في غزوة خيبر وسمعت وقع السيف في أسنان مرحب اليهودي وشهدت غزوة الطائف وخرجت مع النبي  في فتح مكة .
وجاء عبد الله بن أبي أمية يتلمس الدخول على رسول الله  ليعلن إسلامه أمامه وذلك قبل أن يدخل رسول الله  مكة فاتحًا .
فكلمت أم سلمه رضي الله عنها رسول الله  فيه واستشفعت له فأذن له رسول الله  بالدخول عليه فأسلم .

4_جودها وكرمها ..


كانت أم سلمه رضي الله عنها من أشرف النساء نسبًا ولدت في بيت يضرب به المثل في الكرم وعندما أكرمها الله عز وجل بالانتساب إلى بيت النبوة وجدت أن النبي  ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر فقد دخل عليها رسول الله  ذات يوم وهو ساهم الوجه فحسبت أن ذلك من ألم أو وجع أصابه فقالت : يا رسول الله ما لي أراك ساهم الوجه ؟!
فقال صلى الله عليه وسلم : من أجل الدنانير السبعة التي أتتنا أمس وأمسينا ولم ننفقهن .
ولقد سألت أم سلمه رضي الله عنها رسول الله  : هل لي أجر في بني سلمه أنفق عليهم ولست بتاركتهم هكذا فإنما هم بني ؟
فقال لها رسول الله  : نعم لك أجر فيما أنفقت .
وقد جلست إليها جاريتها ذات يوم فأتت نساء فقيرات يسألنها الصدقة ولم يكن لديها شيء فقالت لهن الجارية : اخرجن.. اخرجن .
فقالت أم سلمة رضي الله عنها : ما بهذا أمرنا يا جارية ردي كل واحدة ولو بتمرة تضعينها في يدها .


حجة الوادع ...


شهدت أم سلمة رضي الله عنها مع رسول الله  حجة الوادع سنة عشرة من الهجرة ولكنها مرضت وشكت وجعًا فلم تستطيع الخروج والطواف بالبيت الحرام فقال لها رسول الله  : إذا اقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك من وراء الناس وأنت راكبة .
ففعلت أم سلمه رضي الله عنها ذلك وكان هذا بابًا للتوسعة رخص بها رسول الله  لغير القادرين أن يحملوا في الطواف ومن باب أولى في السعي بين الصفا والمروة .

كما رخص رسول الله  لأم سلمه رضي الله عهنما في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس ليلة النحر ثم مضت فأفاضت إلى منى وكان ذاك يوم الذي يكون رسول الله  عندها فأحب أن توافقه .
ثم لم يلبث رسول الله  بعد حجة الوداع إلا قليلًا حتى توفاه الله عز وجل فأصيب المسلمون بمصيبة قالت عنها أم سلمه رضي الله عنها : فيالها من مصيبة ما أصبنا بعدها بمصيبة إلا هانت إذا ذكرنا مصيبتنا به صلى الله عليه وسلم .


إلى الرفيق الأعلى ...


عاشت أم سلمه رضي الله عنها في بيت رسول الله  أمًا للمؤمنين تتعلم وتنهل من معين النبوة وبعد وفاة النبي  كانت تعد من فقهاء الصحابيات تروي احاديث النبي  واخباره وعباداته وبلغ مسند أم سلمه رضي الله عنها ثلاثمائة وسبعين حديثًا حفظتها عن رسول الله  .
وقد عمرت ام المؤمنين أم سلمه رضي الله حتى بلغت الرابعة والثمانين وعاشت الأحداث السياسية الكبرى إلا أنها كانت بمنأى عن خلافاتها وحينما بلغها استشهاد الحسين بن علي رضي الله عنهما وجمت لذلك وغشى عليها وحزنت عليه حزنًا شديدًا لم تلبث بعده إلا يسيرًا حتى انتقلت إلى جوار ربها وكان ذلك تسع وخمسين وصلى عليها الصحابي الجليل أبو هريرة  وشيع المسلمون جثمانها الطاهر إلى البقيع ليدفن مع بقية أمهات المؤمنين حيث كانت أخيرتهن وفاة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق