اسم الله (الملك) - المالك المليك
قال ابن القيم معرفاً بهذا الاسم الجليل "و أما الملك فهو الآمر الناهي المضر المذل الذي يصرف الأمور عباده كما يحب ، و يقلبهم كما يشاء وله من معنى الملك ما يستحقه من الاسماء الحسنى كالعزيز الجبار المتكبر الحكم العدل الخافض الرافع المعز و المذل الجليل الكبير الحسيب المجيد الوالي المتعالي مالك الملك المقسط الجامع ، وقال ايضاً : لله تعالى الملك التام و من تمام ملكه عموم تصرفه ، و تنوعه بالثواب و العقاب و الاكرام و الاهانة و العدل و العضل و الاعزاز و الاذلال و قال : والله سبحانه الملك الحق المبين و الملك هو الذي يأمر و ينهي و يثيب و يعاقب و يهين و يكرم و يعز و يذل
2- كمال ملك الله مقارن لكمال حمده (له الملك وله الحمد) فهو محمود في ملكه
3- وقال تعالى (كل يوم هو في شأن) يغفر ذنبا و يفرج كربا و يكشف غما وينصر مظلوما و يأخذ ظالما و يفك عافيا و يغني فقيرا و يجبر كسيرا و يشفي مريضا و يقيل عثرة و يستر عوره و يعز ذليلا و يذل عزيزا و يعطي سائلا و يذهب بدوله و يأتي بأخرى و يداول الأيام بين الناس و يرفع أقواما و يضع آخرين يسوق المقادير التي قدرها مثل خلق السماوات و الأرض بخمسين ألف سنه الى مواقيتها فلا يتقدم شيء منها عن وقته ولا يتأخر بل كل منها قد أحصاه كما أحصى كتابته و جرى به قلمه و نفذ فيه حكمه
-[المعنى اللغوي ]-
اسم الله الملك و المالك و المليك مشتق من ملك اي اشتد فهو بمعنى الشد و الربط يقال ملكت العجين اي عجنته متى اشتد و المرأه إذا ارتبطت بالرجل يقال ملكت عليه ، و أما في حق الله تعالى فهو بمعنى العظمة و القدرة و السلطان و مطلق التصرف ، ورد هذا الاسم الملك في القران 5 مرات في سورة الفاتحه ( مالك يوم الدين ) و في سورة الناس (ملك الناس )و ايضاً في سورة -- ( فتعالى الله الملك الحق ) وفي سورة الحشر ( هو الله الذي لا اله الا هو الملك القدوس ) ، وايضا قال ( قل اللهم مالك الملك ) .
الفرق بين ملك و مالك ، وملكوت
قال الخطابي : الملك ، هو التام الملك الجامع مع الاصناف المملوكات ، فأما المالك هو خاص الملك ، و هناك ملك بلا ملك اي ليس مالك و قد يكون ملك ولكنه ضعيف يتصرف عنه غيره و قال اصحاب المعاني . الملك : النافذ الامر في ملكه إذ ليس كل مالك ينفذ امره او تصرفه فيما يملكه فالملك اعم من المالك و الله تعالى مالك المالكين كلهم و إنما استفادوا التصرف في املاكهم من جهته تعالى و هذا ما ذكره القرآن قال الله تعالى( لله ملك السماوات و الأرض يخلق ما يشاء ) و قال( له ملك السماوات و الارض لا اله الا هو يحيي و يميت ) و قال ( تبارك الله الذي بيده الملك و هو على كل شي قدير )
* أيهما ابلغ ؟ قيل ملك و قيل مالك
فالأولى صفه ذات ( يأمر و ينهى و يشرع ) ، و الثانيه "مالك" صفة فعل
1- وملك الله يختلف عن ملك المخلوق فهو أعم و أشمل و أوسع وهو ملك تام
2- هو الملك الحقيقي لله تعالى
3-فيا عجباً لك يا بني آدم تؤمن بأن الله هو مالك السماوات و الأرض ومع ذلك تعبده معه غيره
4-و تؤمن بأن الله سبحانه بيده خزائن السماوات و الأرض و أن بيده الخير و انه يرزق من يشاء فهو المالك لجميع المماليك و ان جميع من فيها مماليك لله فقراء جاء في الحديث الصحيح : ان يمين الله ملآ لا تغيضها النفقه ويده سحاء الليل و النهار ارأيتم ما انفق منذ خلق السماوات و الأرض فإنه لم يغظ مافي يمينه و عرشه على الماء و بيده الاخرى القسط يرفع و يخفض .
لماذا قال لا تغيظها ولم يقل تنقصها ؟ لانه مع عطائه سبحانه الظاهر لا ينقص بل خزائنه فائضة بالخير و البركه فمع عطائه و عظيم كرمه لم ينقص من ملكه شيئاً بل يزيد فإذا انزلت حاجتك من طلب رزق او مال او غيره فلا تحزن لأنك انزلت حاجتك من ملك السماوات و الأرض الكريم الذي لا يبخل و الملكوت اعم و اوسع من الملك وهي صيغة مبالغه مثل جبروت و ملك الله و ملكوته و سلطانه و عظمته و الملكوت من الملك (ذي الملكوت) أي صاحب الملك ظاهراً و باطناً و الصيغه للمبالغة .
وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى فالملكوت اوسع من الملك و بهذا استعملت بالقران ( أفلم ينظروا في ملكوت السماوات و الأرض وما خلق الله من شي ) فعطف الملك الخاص ( ما خلق الله من شي ) على العام و الملكوت خاص لله لا يعطي منه احد ولهذا وردت كثيرا من الايات لله ملك السماوات و الارض يهب لمن يشاء و لم يقول ملكوت مثل : ( اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء )
-[ الآثار المسلكيه للإيمان بهذا الاسم (الملك) ]-
أولاً : إن الملك الحقيقي هو الله وكل من ملك شيئاً فإنما هو بتمليك الله له قال تعالى ( قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء و تنزع الملك ممن تشاء )
ثانياً : كل ملك يؤتيه الله من يشاء من عباده فهو عارية يردها الى المعير وهو الله تعالى ينزع الملك من ملكه تاره فإذا اخذه الله منه فإنما ردت العارية الى مالكها الحقيقي كما قالت ام سليم عندما مات ابنها الوحيد
ثالثاً : ومن الناس من يظن انه إذا ملك المال فهو إنما أوتيه على علم عنده لا كما قال قارون يتكبر على الخلق و يتجبر و يظلم وكما فعل فرعون ( ونادى فرعون في قومه قال يا قوم اليس لي ملك مصر و هذه الانهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ) فلا بد للعبد ان يتواضع ان الله اوحى الي ان تواضعوا حتى لا يفخر احد على احد ولا يبغي احد على احد .
فنتائج الكبر امرين : 1- الفخر 2- البغي
وفي الحديث ( ما تواضع احد لله الا رفعه ) وفي صحيح مسلم ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر اليهم ولهم عذاب اليم
شيخ زان و ملك كذاب و عائل مستكبر ، ما السبب ؟ لأن الكبر من خصائص الله و لأن الملك الحقيقي هو الذي يتكبر كبرياء بحكمه .
رابعاً : إذا تأمل العبد ان الملك كله لله و أن ما اعطاه الله عارية سرعان ما يرده الى المعير و انه مستخلف فيها فلا يغره مافي يده ولا يتكبر
خامساً : وإذا كان الملك المطلق انما هو الله فالطاعة المطلقه انما هي لله وحده لأن ما سواه من ملوك الأرض هم عبيد له و تحت أمره
سادساً : تقديم طاعة الله على طاعة من سواه و تقديم حكمه على حكم غيره وهناك تأتي اية الاختبار في سورة التوبة ( قل إن كان ابائكم و ابنائكم و اخوانكم و ازواجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضوها احب اليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره )
سابعاً : ان الملك الحقيقي هو من ملك هواه ولا يملك هواه الذي اعتق من اسر نفسه ( ربي قد اتيتني من الملك و علمتني من تأويل الاحاديث ) هناك من يملك الدنيا لكنه ضعيف امام نفسه
-[ الاثار المسلكيه للإيمان بهذا الإسم ]-
1-ان الانسان اذا امن ان الملك الحقيقي لله لا يتكبر مهما بلغ ملكه قال صلى الله عليه و سلم : ( من تواضع لله رفعه ) وقال ايضاً ( ان الله اوحى الي ان تواضعوا حتى لا يفخر احد على احد ولا يبغي احد على احد )
وفي الحديث القدسي الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحداً منهما عذبته و قصمته ، و ألقيته في النار .
2-ما دام ان الملك الحقيقي لله فالطاعة لا ابد ان تكون لله وقد قال الله في سورة التوبة( قل ان كان ابائكم ..... )
3- ان العبد إذا آمن ان ملك السماوات و الأرض بيد الله فإنه سيلجئ اليه بالدعاء و العباده و يؤمن أن كل شيء بيده فلا يتحرك الا بإذنه و لا يعمل الا بإذنه ولا نفعل صغيرة ولا كبيره الا بإذنه
4- القناعه و الرضا بقضاء الله و قدره إذا علمنا ان له ملك السماوات و الأرض فلا نجزع بقضاء الله و قدره فالرسول صلى الله عليه و سلم كان يقول في دعائه ( اللهم اني اسألك الرضى بعد القضاء ) فجمع بين أمرين كلاهما يدل على الراحه و الإستقرار فكل أمر يكتبه الله عن العبد فهو يدور حول أمرين :
1- التوكل قبله 2- الرضى بعده ، وهذا ما يشمله دعاء الاستخارة فإذا استخرت الله في أمر و أوكلت امرك اليه ثم حدث خلاف ما اردت فلا تجزعي ولا تقولي كيف حدث هذا و انا استخرت فهذا معناه عدم الرضى بالقضاء و القدر و تكون الاستخارة و تكون الاستخارة فيها خلل فيجب الرضى حتى بعد الاستخارة
5- عدم الجواز بالتسمي بملك الملوك ، فـ عن ابي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه و سلم قال اخنع الاسماء عند الله رجل تسمى بملك الأملاك ومعنى أخنع اي اوضع و اذل و كذا من تسمى به وهذا تحذير من كل عمل فيه
تعاظم و السبب في النهي ان الملك الكامل للرب جل و علا وهذا يشمل كل معصية يقصد فيها صاحبها التعالي و التعاظم يعاقب بنقيض قصده .
6- أيضاً من الاثار إن الايمان بأن الملك الكامل لله في الدنيا وهو أيضا الملك الوحيد يوم القيامة وبهذا أضاف اسم الملك الى يوم الدين (ملك يوم الدين ) مع انه ملك يوم الدين و الدنيا لأن في الدنيا قد يدعي الانسان الملك فأما يوم القيامة فأما يوم القيامة لا يمكن ان يدعي احد ذلك و أيضا لتتضح كمال ربوبية الله و ملكه يوم القيامة فالأرض و السماوات وكل املاك الناس تزول ويبقى ملكه سبحانه و تعالى و ايضاً إن الله يطوي السماوات و الارض بيمينه
عن عبدالله بن مسعود :( جاء حبر الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال يا محمد او يا ابا القاسم ان الله يمسك السماوات يوم القيامة على اصبع و الارضين على اصبع و و الجبال و الشجر على اصبع و الماء و الثرى على اصبع و سائر الخلق على اصبع ثم يهزهن فيقول انا الملك انا الملك ) فضحك رسول الله مما قال الحبر تصديقاً له ثم قرء ( و السماوات مطويات بيمينه سبحانه و تعالى عما يشركون )
-[قصة عن ملك من ملوك الدنيا ]-
المعتمد بن العباد صاحب ملك عظيم ملك المغرب و المشرق خرجت بناته يوما الى الناس ورأين النساء يخضن في الطين لقلة ما يملكن فاشتهت بنات المعتمد ان يطأن في الطين فأراد ان يحقق رغبتهن بعاطفة الأبوة فمزج لهن المزج و الكافور و عمله كالطين و وطأن عليه ثم زال ملكه و استولى عليه ملك اخر و أسر المعتمد و سجن في سجن اغمات فدخلن عليه بناته يزرنه في السجن فأنشد يقول وكان وقت زيارتهن يوم عيد دخلن في ثياب رثه باليه حافية الاقدام :
فيما مضى كنت بالأعياد مسرورا فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعةً يغزلن للناس لا يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافيةً كأنها لم تطأ مسكاً وكافورا
من بات بعدك في ملكٍ يسرّ به فإنما بات في الأحلام مغرورا
والذي نستفيده في القصة ان الانسان يخضع لعظمة ربه وعلى قدر خضوعك لعظمة ربك تكون رحمة الله قريبه منك لأنك علمت ان الله عظيم
*قصة أخرى
المهدي العباسي احد خلفاء بني العباس كان يحكم نصف اهل الارض ، دخل المسجد النبوي و كان في المسجد العالم ابي ذئب فلما رآه الناس في المسجد وقفو تعظيماً له كما يقف الناس الان للامراء و العظماء اذا اقبلو وكان معه
خدمه و حشمه و جيشه و حرسه فقالو لابن ابي ذئب : قم لأمير المؤمنين ، فقال : انما يقوم الناس لرب العالمين ، فلامه الحرس فقال لهم المهدي : دعوه ، فوالله قد وقف شعر رأسي مما قال ، لقد عظم هذا العالم ربه فهان أمامه كل أحد .
عندما تسلط احد القواد على الملك العباسي قال في دعائه هذا الملك : يا من لا يزول ملكه ارحم من زال ملكه .
فالله وحده هو الملك الحقيقي و اذا عرف المؤمن ذلك وجب ان تفزع القلوب لعلام الغيوب و إذا عرف العبد عظمة ربه و عظمة ملكه توجه اليه بالطلب ، فسليمان لما عرف عظمة ملك الله عظم طلبه من ربه فقال :
ربي هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي إنك انت الوهاب .
هارون الرشيد كان له ابناءً كثيرون ولكنه غلب على ظنه بالخلافه من بعده الى ثلاثه الأمين و المأمون و المعتصم فعهد اليهم بالخلافه و اشهد العلماء عليها و يقال انه علقها على الكعبه .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق