الزوجة الرابعة : أم المؤمنين رضي الله عنها حفصة بنت عمر بن الخطاب

بنت الفاروق:

• ولدت أم المؤمنين : حفصة بنت أمير المؤمنين الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنها وذلك قبل بعثة النبي  بخمس سنين بينما كانت قريش تجدد بناء الكعبة .
وكانت حفصة رضي الله عنها أسن من أخيها لأبيها وأمها عبدالله بن عمر رضي الله عنهما – العابد الزاهد التقي الورع العالم – بست سنوات .
• أمها : هي زينب بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمع أخت الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنهما
وقد نشأت حفصة في مكة في عز أبيها ابن الخطاب فقد كان من رجالات قريش والمعدودين وساداتها البارزين وشجعانها المعروفين وهذا ما جعل رسول الله  يدعوا الله عز وجل أن يعز الإسلام بأحد العمرين : عمرو بن هشام ( أبي جهل ) او عمر بن الخطاب فأختار الحق تبارك وتعالى عمر بن الخطاب  لإعزاز دينه فكان إسلامه فتحًا مبينًا فرق الله عز وجل به بين الحق والباطل وكان مددًا عظيمًا لجند الله فازداد المسلمون به منعةً ووقعت في نفوس الكافرين منه حسرة !


زواج حفصة رضي الله عنها من خنيس بن حذافــة ..


أسلم الفاروق عمر بن الخطاب  وأسلم معه أهل بيته ومنهم حفصة رضي الله عنها .
وبلغ مسامع المهاجرين من المسلمين إلى أرض الحبشة أن مكة قد أسلمت وأنه لابإسلام الفاروق عمر بن الخطاب وأسد الله حمزة بن عبد المطلب – عم النبي  - رضي الله عنهما أصبح الإسلام في قوة ومنعة فرأى أغلب المهاجرين العودة إلى مكة بلد الله الحرام كي يكونوا في صحبة رسول الله  .
وعلى أعتاب مكة تبينت لهم الحقيقة المرة وأن أهل مكة قد أزدادوا غضبًا وحنقًا على المسلمين عندما علموا بإسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما فتفننوا في تعذيب أصحاب رسول  بألوان من العذاب لم تشهدها جزيرة العرب من قبل !


وكان من بين هؤلاء العائدين إلى بيت الله الحرام :


خنيس بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي  والذي كان من السابقين الاولين إلى الإسلام فقد أسلم قبل دخول رسول الله  دار الأرقم كما كان من المهاجرين الأولين إلى ارض الحبشة .
وقد خطب خنيس حفصة إلى أبيها رضي الله عنهم جميعًا فزوجها له وتم تأسيس بيت مسلم بني على الإسلام والطاعة .


الهجرة إلى المدينة ..


جحدوا مشركو قريش برسالة الإسلام وقعدوا بكل صراط يوعدون ويدون عن سبيل الله من آمــن بـه ويبغونها عوجًا !
فلما أراد الله عز وجل إظهار دينه وإعزاز نبيه  وإنجاز موعده له خرج رسول الله  في موسم الحج فلقى نفرًا من الانصار فعرض عليهم الإسلام فأجابوه .
ونجح رسول الله  في تأسيس وطن الإسلام وسط صحراء تموج بالفكر والضلالة وتنادى المسلمون من كل مكان : هلموا إلى (يثرب) ... هلموا إلى مدينة رسول الله  !
فلم تكن الهجرة تلخًصا فقط من الفتنة والتعذيب والاستهزاء بل كانت هدفًا لإقامة مجتمع جديد في بلد آمــن .
وأصبح فرضًا على كل مسلم قادر أن يسهم في بناء هذا الوطن الجديد وأن يبذل جهده في تحصينه ورفع شأنه .
واستجاب خنيس بن حذافة للنداء فاصطحب زوجه حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهم وهاجر بها إلى المدينة المنورة ونزل على رفاعة بن عبد المنذر .
وهناك عاش الزوجان المهاجران في رحاب الانصار في سعادة غامرة وازدادت هذه السعادة بعد أن لحق بهما الرسول الكريم .


غزوة بدر الكبرى :


لما استقر أمير المؤمنين بالمدينة المنورة جعل رسول الله  يرسل سراياه هنا وهناك تستطلع أحوال القبائل المجاورة وتخترق طرق القوافل المارة بين مكة والشام .
وترامت الأنباء إلى رسول الله  أن قافلة ضخمة من لقريش تهبط من مشارف الشام عائدة إلى مكة تحمل لأهلها الثروة الطائلة الف بعير محملة بالاموال يقودها أبو سفيان بن حرب مع رجال لا يزيدون عن الثلاثين او الاربعين !!
ورأى النبي  أن الضربة التي تنزل بالمشركين من أهل مكة – لو فقدوا هذه الثروة الطائلة – موجعة حقًا وفيها عوض كامل لما لحق بالمسلمين من خسائر في اثناء هجرتهم إلى المدينة المنورة لذلك قال رسول الله  لأصحابه : هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله ينفلكومها .
واستطاع قائد القافلة أبو سفيان بن حرب أن ينجوا من الخطر المحدق به بعد أن سلك طريقًا آخر وبعد ان ارسل إلى قريش يستنفرهم لحماية أموالهم ويستشير حميتهم للخروج في تعئبة ترد كل هجوم .
ثم أرسل أبو سفيان – بعد أن نجا من القافلة – إلى جيش قريش يقول لهم : إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالك وأموالكم فقد نجت فارجعوا .
إلا أن الجيش المشركين مضى في مسيره حتى نزلوا بالعدوة القصوى من وادي بدر وكانوا المسلمون قد انتهوا من رحيلهم الشاق المضني الى العدوة الدنيا .
وهكذا اقترب كل الفريقين إلى الآخر وانكشف وجه الجد في الآمر ونظر الرسول الكريم  حوله فوجد اولئك المؤمنين بين المهاجر باع في سبيل الله نفسه وماله وأنصارى ربط مصيره وحاضره بهذا الدين الذي افتداه وآوى أصحابه .
فأراد رسول الله  أن يشعر القوم بحقيقة الموقف الخطير حتى يبصروا – على ضوئه – ما يفعلون .. فأقبل عليهم وقال لهم : هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها .
ثم قال رسول الله  أشيروا علي أيها الناس .
فقام أبو بكر الصديق  فقال : ثم وأحسن فقام الفاروق عمر بن الخطاب فقال : وأحسن فقام ثم قام سعد بن معاذ فقال : يا رسول الله : لقد آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئت به هو الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا و مواثيقنا على السمع والطاعة فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضنته لخضناه معك ما تخلف بنا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونًا غدًا إنا لنصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله .
فسر رسول الله  بقول سعد بن معاذ  ونشطه ذلك فقال : سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم .


أرملة الشهيد ..


لم يشهد غزوة بدر الكبرى من بني سهم غير رجل واحد هو الصحابي الجليل : خنيس بن حذافة  صهر الفاروق عمر ابن الخطاب  والذي كان من أبطال تلك الغزوة المشهودة التي أيد الله عز وجل فيها رسوله الأمين  وكتب فيها النصر المبين .
لقد كان خنيس  يتمنى الشهادة من أعماق قلبه فلما أندلع القتال وبدأ الهجوم من قبل المشركين أصيب بجسده بجراحات خطيرة وكثيرة ورغم ذلك فقد تحمل على نفسه وظل يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا هي السفلى .
وعاد خنيس بن حذافة  إلى المدينة مثخنًا بجراحه وسهرت حفصة رضي الله عنها تمرضه وتداوي جراحه إلا أنه مات متأثرًا بها فصلى عليه رسول الله  ودفنه بالبقيع .


الفاروق يختار زوجًا لحفصة ..


ترملت حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها قبل ان تكمل العشرين من عمرها وحزنت لموت زوجها الشهيد حزنًا كاد أن يمزق قلبها .
وتألم الفاروق  لحزن ابنته وأوجعه أن يلمح الترمل يغتال شبابها ويمتص حيويتها ويختنق صباها .
فبدا له بعد تفكير عميق أن يختار زوجًا لحفصة رضي الله عنها تأنس إلى صحبته ويعوضها خيرًا عن زوجها الذي فقدته في سبيل الله .
ونظر الفاروق  حوله فوجد عثمان بن عفان  يمر بنفس الظروف التي تمر بها ابنته حفصة رضي الله عنها بعد وفاة زوجته رقيه بنت رسول الله  .
فمر الفاروق على عثمان رضي الله عنهما فوجده كئيبًا حزينًا فسأله عن سبب ذلك فشكا له عثمان رضي الله عنه انقطاع المصاهرة بينه وبين رسول الله  فقال له الفروق : ألا أزوجك أبنتي حفصة ؟؟
فصمت عثمان برهة ثم قال : سأ نظر في أمري !
فلبث عمر بن الخطاب ليالي ثم لقى عثمان  فقال له : قد بدأ لي ألا أتزوج يومي هذا !!
انصرف الفاروق غاضبًا لا يكاد أن يصدق عثمان بن عفان يرفض ابنته حفصة رضي الله عنها بعد أن عرضها عليه !!
وفي الطريق لقى عمر بن الخطاب ابًا بكر الصديق رضي الله عنهما وهو لايزال يشهد بمهانة الرفض من عثمان  وإن حاول جهده أن يكظم غيضه فلعل الله عز وجل قد اختار لحفصة ابا بكر الصديق رضي الله عنهما وهو الله سبحانه وتعالى أعلم بأي الرجلين أًلح من ابنته الحبيبة .
فقال عمر لابي بكر رضي الله عنهما وفي يقينه أن الصديق سيرحب بالمرأة الصالحة التقية ابنة الرجل الذي أعز الله به الاسلام : إن شئت زوجتك حفصة لكن ابا بكر الصديق  صمت ولم يرجع إليه شيئًا !!
فكاد الفاروق  يتميز غيظًا من قسوة الموقف ثم ثار به الغضب فانطلق إلى رسول الله  يشكو صاحبيه ..


الجزاء الأوفى ..


استأذن الفاروق عمر بن الخطاب  على رسول الله  وما يملك نفسه من غضب وقهر فتلقاه الرسول الكريم  بوجه باسم وسأله في عطف ومودة عما يؤلمه ؟!..
فذكر الفاروق  لرسول الله  ما كان من أمر ابي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما !!
فقال له رسول الله  : يتزوج حفصة من هو خير من عثمان ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة ..
وخطب رسول الله  إلى عمر بن الخطاب ابنته حفصة رضي الله عنهما وزوج رسول الله  ابنته أم كلثوم لعثمان بن عفان رضي الله عنهما وخار الله لهم جميعًا فكان رسول الله  لحفصة رضي الله عنها خيرًا من عثمان  وكانت بنت رسول الله  لعثمان خيرًا من حفصة بنت عمر رضي الله عنهم جميعًا .
وخرج الفاروق  من عند رسول الله  متهلل الوجه يسرع الخطى ليزف البشرى إلى ابنته الحبيبة وإلى ابي بكر وعثمان رضي الله عنهما وإلى المدينة كلها .
فكان أول من لقيه أبو بكر الصديق  فما أن علم بأمر الخطبة المباركة حتى أعتذر للفاروق  وقال له : لا تجد علي في نفسك فإن رسول الله  كان قد ذكر حفصة فلم أكن لأفشي سر رسول الله  ولو تركها لتزوجتها .
وتزوج رسول الله  حفصة بنت عمر الخطاب رضي الله عنهما في شهر شعبان من السنة الثالثة للهجرة وأصدقها النبي  أربعمائة درهم وتولى الرسول الكريم  بنفسه مواساتها وعوضها عنا أصابها في سبيل الله بعد وفاة زوجها الشهيد .
واتصل النبي الخاتم  بالعبقري الخالد ذكره عمر بن الخطاب  اتصال مصاهرة فكان هذا الاتصال خير مكافئة لبطل الإسلام وخليفة الرسول  الثاني وقد ساوى النبي  بينه وبين وزيره الاول أبي بكر الصديق  في تشريفه في هذه المصاهرة ..
وأي جزاء وتشريف خير من هذا الجزاء الأوفى ؟!

أهم الفوائد التي يستفاد منها من حياة السيدة حفصة رضي الله عنها مع رسول الله :
1_الفائدة الأولى :

1_ المداراة :

ذات يوم خلا رسول الله  بأم ولده إبراهيم عليه السلام مارية المصرية في بيت حفصة رضي الله عنهما وكانت حفصة رضي الله عنها قد ذهبت الى أبيها لبعض شأنها فلما عادت وجدته معها غارت غيرة شديدة وغضبت وبكت واعتبرت ذلك إهانة لها وقالت : يا رسول الله تدخلها في بيتي !! ما صنعت هذا بي بين نسائك إلا من هواني عليك!!
ووقعت كلمتها من رسول الله  موقعًا أليمًا فما كان ليهين بنت عمر بن الخطاب  وقد تزوجها تكريمًا لصاحبه !
فأقبل عليها رسول الله  يترضاها وقال لها : لأرضينك .. وأني مسر لك سرًا فأحفظيه أشهدك أن هذه علي حرام رضي لك وأبشرك أن ابا بكر هو الخليفة من بعدي وأن أباك هو الخليفة من بعده ورضيت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وسعدت ليلتها بقرب رسول الله  وعطفه ووده حتى إذا أسفر الصباح وانصرف عنها رسول الله  ولمحت عائشة رضي الله عنها قريبة منها لم تستطع أن تكتم عنها ما تطوى من سر فنبأت به صاحبتها!
ولم تقدر أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وهي تذيع السر لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عواقب هذا الإفشاء !!


الفائدة الثانية :


تأديب الزوجة بطلاقها ..

نزل الوحي على رسول الله  يخبره بما حدث من أزواجه وإفشاء السر فغضب رسول الله  وكره ذلك فطلق حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأنكسر قلبها وظلمت الدنيا كلها أمام عينيها وهي لا تصدق أن زوجها وحبيبها ونبيها  قد طلقها !!
وبلغ الخبر عمر بن الخطاب  فحثا التراب على وجهه وقال : ما يعبأ الله بعمر وأبنته بعد هذا !
فنزل الأمين جبريل عليه السلام من الغد على رسول الله  بأمر إلهي من فوق سبع سموات فقال : إن الله يأمرك أن تراجع حفصة بنت عمر رحمة لعمر ...
ثم قال جبريل عليه السلام لرسول الله  : راجع حفصة فإنها صوامة قوامة وإنها زوجتك في الجنة ..
فدخل رسول الله  على حفصة رضي الله عنها وراجعها إلا أنه كان قد أقسم على نفسه ألا يدخل على نسائه شهرًا فأعتزلهن تسعًا وعشرين ليلة .


الفائدة الثالثة:

3_ تدخل الاهل في الخير لإصلاح ما بين الزوجين ..
راجعت امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما زوجها في شيء فغضب عليها وأنكر أن تراجعه فقال لها : ما كان النساء هكذا !!
فقالت له : ما تنكرأن أراجعك فوالله إن أزواج رسول الله  ليراجعنه !!
فأخذ عمر  ثوبه وانطلق حتى دخل على ابنته حفصة رضي الله عنها وقال لها :
أتراجعين رسول الله  ؟!
فقالت : نعم .
فقال عمر  : يا حفصة أبلغك من شأنك أن تؤذي رسول الله  ؟! قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر!! افتأمن أحدكم أن يغضب الله عليها ؟! لغضب رسول الله  فإذا هي قد هلكت ؟!.... يا حفصة لا تراجعي رسول الله  ولا تسألينه شيئًا وسليني من مالي ما بدأ لك .
انصرف الفاروق رضي الله عنها ودخل المسجد فرأى الناس يتحدثون عن اعتزال رسول الله  لنسائه وقد ظنوا انه طلقهن !!
فانطلق عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى ابنته حفصة رضي الله عنها مرة آخرى حتى إذا دخل عليها ووجدها تبكي : قال لها : ما يبكيك ؟! لعل رسول الله قد طلقك ؟! إنه كان قد طلقك مرة ثم راجعك من أجلي فإن طلقك مرة آخرى لا أكلمك ابدًا !!
فبكيت حفصة رضي الله عنها أشد البكاء وقالت : لا أدري هو هذا معتزل في هذه المشربة .
فقصد الفاروق رضي الله عنها المشربة التي أعتزل فيها رسول الله  وغلامه رباح .. قائم على عتبتها فقال له : يا رباح أستأذن لعمر.
فدخل الغلام على رسول الله  ثم خرج إليه وقال : ذكرتك له فصمت ! .
فانصرف الفاروق وجلس في المسجد قليلًا ثم عاد إلى الغلام وقال له : أستأذن لعمر .
فدخل الغلام على رسول الله  ثم خرج إليه وقال له : ذكرتك إليه فصمت !
فانصرف الفاروق رضي الله عنها ودخل المسجد مرة أخرى ومكث قليلًا ثم رجع إلى الغلام وقال له : أستأذن لي عندك على رسول الله  فإني أظنه ظن أني جئت من أجل حفصة والله لان أمرني بضرب عنقها لأضربن عنقها ..
فدخل الفاروق وسلم على رسول الله  فإذا هو متكئ على حصير قد أثر في جنبه الطاهر !!
فقال عمر : أطلقت يا رسول الله نسائك ؟!
فرفع رسول الله  رأسه وقال : لا.
فهتف عمر متهللًا : الله أكبر .
ثم قال الفاروق  لرسول الله  غضبت على امرأتي يومًا فإذا هي تراجعني فأنكرت أن تراجعني فقالت : ما تنكر أن أراجعك فوالله إن أزواج النبي ليراجعنه .. قد خاب من فعل ذلك منكن وخسر أفتأمن أحداكن أن يغضب الله عليها لغضب رسول الله  فإذا هي قد هلكت ؟! فتبسم رسول الله  فلما رأى الفاروق رضي الله عنه ذلك قال : أستأنس يا رسول الله ؟!
فقال رسول الله : نعم .
فجلس الفاروق  ورفع رأسه في البيت فما رأى شيئًا يرد البصر إلا هيبة مقامه  !!
فبكى الفاروق  فقال رسول الله  : ما يبكيك يا بن الخطاب ؟!
فقال عمر  : ومالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى وذلك قيصر وكسرى .. في الثمار والأنهار وأنت رسول الله  وصفوته وهذه خزانتك ؟!!
فاستوى النبي جالسًا  وقال : أفي شك أنت يا ابن الخطاب ؟..
أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا .
فقال عمر بن الخطاب  : أستغفر لي يا رسول الله .


انفراج الأزمة ..


جعل الفاروق  يؤنس وحشة رسول الله  ويخفف عنه ما لا لقاه من نسائه فقال له : يا رسول الله ما يشق عليك من شأن النساء فإن طلقتهن فإن الله معك وملائكته وجبريل وميكائيل وأنا وأبو بكر والمؤمنون معك .
ثم قال عمر : يا رسول الله إني دخلت المسجد والمسلمون قد أصابهم الغم والهم يقولون : طلق رسول الله  نسائه ... أفا ننزل فأخبرهم أنك لم تطبقهن ؟
فقال رسول الله  : نعم إن شئت .
فخرج الفاروق  وقام على باب المسجد يبشر الملسلمين وينادى بأعلى صوته ويقول: لم يطلق رسول الله  نسائه .
ونزل الوحي على رسول الله  بآيات من العليم الخبير سبحانه وتعالى تنذر بانفراج الازمة وتصديق قول الفاروق عمر بن الخطاب  في بعض ما قاله يقول فيها الحق تبارك وتعالى :
( يأيها النبي لم تحرم ما آحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم 1 قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موالكم وهو العليم الحكيم 2 وإذا أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثًا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنباك هذا قال نبأني العليم الخبير 3 .........إلخ )
فرضيت نفس النبي  بعد نزول هذه الآيات وخطاب ربه عز وجل له ولأهل بيته واطمأن البيت النبوي الشريف بعد هذه الزلزلة وعاد إليه هدوءه بتوجيه الله سبحانه وتعالى وهو تكريم لهذا البيت ورعاية له تناسب دورة في إنشاء منهج الله في الأرض وتثبيت أركانه



السيدة حفصة رضي الله عنها


حارسة القرآن ...

وعت نساء النبي  الدرس جيدًا وثابت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها الدرس جيدًا وثابت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها إلى طمأنينتها بعد أن كادت أن تهلك أسى ودمًا فلم تفعل شيئًا يكرهه رسول الله  بعد ذلك طيلة حياته وظلت مثالًا للزوجة الوفية الصادقة التي لا تدخر جهدًا في سبيل إسعاد زوجها صلى الله عليه وسلم .
وما زالت السعادة تخيم على هذا البيت النبوي المبارك إلى أن جاء اليوم الذي أظلم فيه الكون كله بوفاة الحبيب المصطفى  فاعتصر قلب أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها من الحزن على وفاة زوجها وحبيبها ونبيها .
وظلت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بعد وفاة رسول الله على عاهدها عابدة لله عز وجل صائمة قائمة وعرف بالعلم والفقه والتقوى وكثيرًا ما كان يركن أبوها الفاروق  إلى آرائها وأحكامها الفقيهة وأصبحت لها مكانة عظيمة عند أصحاب رسول الله وفي قلب كل مسلم ؟
ولما أشار عمر بن الخطاب  على خليفة رسول الله أبو بكر الصديق  أن يبادر فيجمع ما تفرق من القرآن الكريم في صحف شتى قبل أن يبعد العهد بنزوله ويمضي حفظته الأولون وقد استشهد منه المئات في حروب الردة فاستجاب الصديق  وجمع المصحف الكريم واختار أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما
من بين أمهات المؤمنين لتكون حافظة القرآن الذي جمعه .
وظلت الصحيفة عند أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها حتى كانت خلافة امير المؤمنين عثمان بن عفان  وحدث ما لم يكن في الحسبان !
فقد كان الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان  يغزو ويجاهد مع أهل العراق قبل ( أرمينية ) وقد اجتمع في ذلك غزو اهل الشام واهل العراق فتنازعوا في القرآن الكريم حتى سمع حذيفة  من أختلافهم ما يكره فركب دابته وانطلق حتى اتى خليفة المسلمين وقال له : يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في القرآن اختلاف اليهود والنصارى في كتبهم !!
ففزع لذلك أمير المؤمنين عثمان بن عفان  فأرسل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما : أن أن أرسلي إلي بالصحيفة فأمر أمير المؤمنين عثمان بن عفان : زيد بن ثابت وسعد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام رضي الله عنهم جميعًا أن ينسخوها بالمصاحف وقال لهم :
إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية فاكتبوها بلسان قريش فإن القرآن إنما أنزل بلسانهم.
ففعلوا حتى كتبت المصاحف ثم رد عثمان بن عفان  إلى كل جند من أجناد المسلمين بمصحف وأمرهم أن يحرقوا كل مصحف يخالف المصحف الذي أرسل إليهم به وحفظ الله عز وجل كتابه الكريم من الإختلاف والتحريف وبقي لأم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي الله عنهما ذكرى حفظها لهذه الوديعة الغالية .


زهد آل الفاروق .

.
عندما تولى الفاروق عمر بن الخطاب  الخلافة وشهدت أم المؤمنين رضي الله عنها أمجاد أبيها ومآثرة وفتوح الشام والعراق ومصر على عهد لم تتغير حياتها بل ظلت تعيش حياة الزهد والتقشف.. تتقرب إلى الله عز وجل يومًا بعد يوم بكثرة القيام والصيام حتى ما عادت تفطر يومًا !!
وكان هذا حال آل عمر  الزهد والورع والعدل يقودهم في ذلك راعي الأسرة وخليفة المسلمين الفاروق  .
وقد دخلت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها مع أخيها عبد الله على أبيهما أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنهم جميعًا ذات يوم فقالا له : لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق !!
فقال الفاروق  : قد علمت نصحكم ولكني تركت صاحبي – يقصد رسول الله  وخليفته من بعد أبي بكرالصديق  - على جادة فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل .
وجاءت نهاية حياة الفاروق  الحافلة بالمآثر والأمجاد العظيمة بطعنة غادرة من خنجر أبي لؤلؤة المجوسي – لعنة الله – فانطلقت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها مهرولة إلى أبيها لتلقى عليه نظرة الوداع .
فلما رآها الناس قاموا وتركوهما فمكثت عنده ساعة ثم أستأذن الرجال فدخلت في غرفة النساء تبكي أباها بكًاء مرًا ..
وقد أوصى الفاروق  بعد موته إلى حفصة رضي الله عنها .


إلى الرفيق الأعلى ..


أقامت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها بالمدينة المنورة عاكفة على العبادة صوامة قوامة تعلم الناس أمور دنيهم ودنياهم وتروي أحاديث رسول الله  وكانت ذاكرتها وعاء لحوالي ستين حديثًا منها .
كما روت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها ما حفظته عن طريق أبيها عمر بن الخطاب  وروى عنها أخوها عبد الله وأبنه حمزة وزوجته صفية أبي عبيد رضي الله عنهم وجمع من الصحابة والتابعين .
وفي شعبان من سنة خمي وأربعين –في خلافة معاوية بن أبي سفيان -
انتقلت أم المؤمنين حفصة بنت عمر الخطاب رضي الله عنهما جوار ربها لتلحق بزوجها الحبيب المصطفى  في الفردوس الاعلى ولها من السن يومئذ قرابة الثلاثة والستين عامًا .
وقد صلى عليها أخوها عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وشيعتها مدينة رسول الله  إلى مثواها الاخير بالبقيع مع أمهات المؤمنين رضي الله عنهن .
وكان مروان بن الحكم – والي المدينة – ممن حمل سريرها من عند دار آل حزم إلى دار المغيرة بن شعبة وحمله الصحابي الجليل أبو هريرة  من دار المغيرة إلى قبرها .
ونزل في قبرها عبد الله وعاصم ابنا عمر وسالم وعبد الله وحمزة بنو عبد الله بن عمر رضي الله عنهم جميعًا .
وكانت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها قد أوصت إلى أخيها عبد الله  بما أوصى إليها أبوها وتصدقت بمال لها وقفته بالغابة .
ورث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بيتها الذي عاشت فيه مع رسول الله  زوجًا وأمًا للمؤمنين وعندما أرادوا توسعة مسجد رسول الله  بضم بيوت نساء النبي  إليه لم يرض عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن يأخذ فيه ثمنًا وجعله هبه وهدم بيت أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها وأدخل في المسجد .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق